صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

228

تفسير القرآن الكريم

سبحانه : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ 4 / 79 ] أي من سوء استعدادك وإن كان الكل من عند اللّه إذ لا استقلال لغيره في الإيجاد . و في الحديث النبوي صلى اللّه عليه وآله وسلم : إن الخير كلّه بيديك والشر ليس إليك . ومن أمعن النظر في لوازم الغضب - من الأمراض والآلام والفقر والجهل والموت 120 وغير ذلك - يجدها كلها أمورا عدميّة ، فالرحمة ذاتيّة للحق ، والغضب عارضة ناشية من أسباب عرضية . فإذا كان كذلك كان باعث الرحمة أسهل وجودا وأقل أسبابا وأيسر تحققا ، إذ يكفيه إمكان القبول لها . وباعث الغضب بخلافه ، إذ لا يكفي مجرد إمكان المحل ، بل لا يتحصّل إلا من وجود المنافي للرحمة ، المانع إياها ، فقابل الرحمة وداعيها لا يحتاج إلى تعمّل كثير ، غير صفاء الذات ، وخلوص الفطرة ، وصقالة وجه القلب عن الكدورات ، بخلاف داعية الغضب ، فإنها لوجود المعاصي والقبائح الغريبة من الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها ، ولهذه الدقيقة عبّر عن باعث الرحمة « بالكسب » ، وعن باعث الغضب « بالاكتساب » لما في مفهومه من التعمّل الزائد على ما في الطبع في قوله تعالى : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ 2 / 286 ] . فإن قلت : ما الوجه لخصوصية ذكر العشرة في التضعيف لا غيرها من الأعداد ؟ قلنا : وجه ذلك كون الإنسان معوقا في الدنيا عن فعله الخاص به - الذي هو ذكر اللّه ومعرفة ملائكته ورسله والدار الآخرة - لانغمار نفسه في الحسيات واشتغاله بالجسمانيات ، وهذا بخلاف فعل المعاصي والشهوات ، فإنها مما يلائم البدن وقواه ، فلا يزاحمنا بل يعين عليها القوى البدنية . ولما كان المبدأ الإدراكي للأفاعيل العقلية والطاعات قوة واحدة - هي الناطقة - والمبدأ الإدراكى للأفاعيل الحسيّة والمعاصي قوى عشرة - أي الحواس الخمس الظاهرة ، والخمس الباطنة - فكل حسنة تصدر عن القوة العاقلة لا بد فيها - لكونها على خلاف طبائع القوى - من مجاهدة وقعت من العاقلة مع كل واحدة من تلك العشرة ، وكل مجاهدة لها أجر